جمال مصلة… رحلة تحدٍ ألهمتها رقعة الشطرنج

هناك قصص تبدأ من ظروف صعبة، لكنها تنتهي بإنجازات تتجاوز كل التوقعات. وقصة المغربي جمال مصلة هي واحدة من تلك القصص التي تؤكد أن الإرادة أقوى من أي إعاقة.
في سن الرابعة، أُصيب جمال بشلل الأطفال، ما أدى إلى شلل شبه كلي أفقده القدرة على الحركة والكلام. وبعد ثلاث سنوات من العلاج والترويض الطبي، استطاع استعادة القدرة على الكلام تدريجياً والقيام ببعض الحركات البسيطة، لتبدأ أولى خطواته في رحلة طويلة من التحدي.
عندما بلغ سن الدراسة، اصطدم بعقبة جديدة؛ إذ رفضت جميع المدارس في مدينة الدار البيضاء استقباله بسبب إعاقته، فضاعت عليه سنة دراسية كاملة. لم يستسلم والده، فقرر إرساله إلى داخلية متخصصة بمدينة الخميسات، على بعد حوالي 200 كيلومتر من أسرته. وهناك، في مدرسة ابن البيطار، تلقى تعليماً يعتمد على الاستقلالية والثقة بالنفس، وتعلم كيفية مواجهة الحياة والتعايش مع الإعاقة بروح إيجابية.
وفي تلك المدرسة، كانت إحدى الجمعيات تنظم أنشطة ترفيهية وتعليمية، وكان من بينها الشطرنج. تعلم جمال القواعد الأساسية للعبة، ولم يكن يدرك آنذاك أن تلك الرقعة ذات الأربعة والستين مربعاً ستغير مسار حياته بالكامل.
أصبحت الشطرنج شغفه، وبعد سنوات انضم إلى نادي اتحاد الزموري للخميسات وهو في العشرين من عمره. وبإدراكه أن إعاقته قد تحد من قدرته على ممارسة الأعمال البدنية، قرر أن يجعل من الشطرنج مهنته ورسالة حياته، باعتبارها رياضة تعتمد على الفكر والإبداع وتفتح أبواب الاندماج في المجتمع.
وخلال ثلاث سنوات فقط، حصل على لقب مدرب وطني وحكم وطني، وبدأ يشارك في البطولات كلاعب وحكم ومدرب، قبل أن يتخصص بشكل أكبر في مجالات التدريب والتحكيم والتنظيم.
من خلال الشطرنج، زار معظم المدن المغربية، ثم بدأت رحلته الدولية عام 2012 بالمشاركة في أول بطولة خارج المغرب بهولندا. وفي عام 2013 شارك لأول مرة في بطولة العالم للشطرنج لذوي الإعاقة بمدينة دريسدن الألمانية، ثم عاد للمشاركة في النسخة الثانية عام 2015.
وشهد عام 2015 محطة تاريخية أخرى، عندما أصبح أول مغربي وأول عربي وأول إفريقي يتم انتخابه عضواً في لجنة الشطرنج لذوي الإعاقة التابعة للاتحاد الدولي للشطرنج (FIDE)، حيث شغل هذا المنصب بين عامي 2015 و2019.
وفي عام 2019 مثّل إفريقيا في بطولة العالم للقارات بتركيا، كما شارك في العديد من البطولات الدولية في ألمانيا وسويسرا وإسبانيا، ثم خاض بطولة العالم للهواة في مالطا عام 2022، واليونان عام 2024، واختتم أحدث مشاركاته الدولية في الولايات المتحدة الأمريكية، بولاية فلوريدا، عام 2026.
وعلى صعيد التحكيم، أدار أكثر من 200 بطولة وطنية ودولية، ونال لقب الحكم الفيدرالي (FIDE Arbiter).
أما في مجال التدريب، فقد تدرج في جميع المستويات حتى حصل على لقب المدرب الدولي (FIDE Instructor)، وأسهم في تكوين 26 بطلاً للمغرب في مختلف الفئات العمرية، وعمل مع العديد من الأندية والمؤسسات الرياضية.
وفي مجال التنظيم، نظم عشرات البطولات والمهرجانات الوطنية والدولية داخل المغرب، ليحصل على لقب المنظم الدولي (International Organizer) المعتمد من الاتحاد الدولي للشطرنج.
كما أسس أول أكاديمية خاصة بالشطرنج في مدينة الدار البيضاء، وأسهم في نشر اللعبة داخل المدارس والمناطق النائية، من خلال مبادرات تطوعية وخيرية هدفت إلى جعل الشطرنج متاحاً للجميع.
وإلى جانب ذلك، أصبح أحد أبرز مزودي معدات الشطرنج في المغرب، حيث ساهم في تجهيز العديد من البطولات والمهرجانات بالأدوات والمعدات اللازمة، دعماً لتطوير اللعبة على المستوى الوطني.
وعلى الرقعة، حظي بفرصة اللعب أمام عدد من أساطير الشطرنج، من بينهم بطل العالم ماغنوس كارلسن، وهيكارو ناكامورا، وشاهريار ماميدياروف، كما التقى بعدد من عظماء اللعبة مثل فيشواناثان أناند، وغاري كاسباروف، وجوديت بولغار، وغيرهم من نجوم الشطرنج العالمي.
واليوم، يواصل جمال مصلة رسالته كسفير للشطرنج، ومدرب، وحكم، ومنظم، وصانع محتوى متخصص، من خلال نشر ثقافة اللعبة وإلهام الأجيال الجديدة. كما استضافته العديد من وسائل الإعلام والإذاعات والصحف للحديث عن تجربته الإنسانية والرياضية.

إن قصة جمال مصلة ليست مجرد قصة نجاح في الشطرنج، بل هي رسالة أمل تؤكد أن الإرادة، والإيمان بالذات، والعمل المتواصل، قادرة على تحويل أصعب التحديات إلى إنجازات تترك أثراً يتجاوز حدود الرقعة، لتلهم المجتمع بأكمله.

اترك تعليقاً